مقالات

لغز عباس وغزة

خليل الأغا

كاتب وإعلامي من أسرة “العربي الجديد”

الحق يقال، نجح الرجل في إثارة كل أشكال التكهنات والتفسيرات، ولا يعلم أحد يقينا إن كان هذا هو التوصيف الدقيق لـ “لغز عباس وغزة”. ماذا يقول المؤيدون والمعارضون والمحايدون؟
المعارضون: ارتهانه للخارج، ولأجندته ذات الطابع المتهاون، يتطلب منه أن يقمع أهل غزة بكل ما يمكن من أدواتٍ لاستحقاق رضى هذه الجهات، والتي تتنوع من إسرائيل، وصولا إلى أجندات عربية تطبيعية مع الاحتلال. 
المعارضون 2: هو من “ألد أعداء المقاومة”، وبالتالي فإن قمع الغزيين يأتي ليحقق غرضين: تجفيف موارد المقاومة والدفع بها إلى الزاوية بانتظار رفع الراية البيضاء، معاقبة الغزّيين لوقوفهم، أو على الأقل أطياف واسعة منهم خلف المقاومة. 

المعارضون 3: لديه رغبة ملحة في السيطرة على مقاليد الأمور، وقطع دابر كل من يمكنه أن يقف في وجهه. ومن الشواهد، إطاحته بقيادات كثيرة حوله، تحت طائلة أنهم يوالون قياداتٍ مطرودة داخل حركة فتح، والمعني هنا القائد السابق لجهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، محمد دحلان، وكل من تبع تياره داخل قطاع غزة والضفة الغربية، وحتى المخيمات والسفارات في الخارج. 
المؤيدون: الهدف هو بسط شرعية السلطة الفلسطينية التي يديرها عباس على قطاع غزة أسوة بالضفة الغربية، وكانت انتزعت منها “رغما عن أنفها” في العام 2007، وهو ما يبرّر كل أشكال الضغط التي تفرضها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، ليعود، مجددا، و”رغم أنف” القائمين على الأمر في غزة إلى حظيرة السلطة الفلسطينية. 
المحايدون: عنصريته ضد أهل غزة نابعة من سلوكيات السلطة الفلسطينية منذ نشأتها، وشابها كثير من التفريق في الامتيازات والترقيات والتعيينات. وقد يكون لهذا التفسير بعض الأسس الحقيقية، لكن كثيرا منها أيضا يأخذ طابع مواقع التواصل الاجتماعي، من حيث التهم الجزافية وإطلاق العنان للتأويلات والتفسيرات الشخصية. 
المحصلة، أن أسباب محمود عباس في هذا السلوك غير الطبيعي في التعامل مع ذاك الجزء من الشعب الفلسطيني، ما تزال تخضع لتفسيراتٍ كثيرة. ولم يدل الرجل إلى يومنا هذا بما يدل على حقيقة نواياه التي قد يكون ما سبق جزءا منها، أحدها أو كلها. فيا ترى ما السبب/ الأسباب التي تدفعه إلى ذلك؟ وما الذي يبحث عنه في غزة؟ 
سؤال قد تكون الإجابة عنه أصعب مما يتصوره ناس كثيرون، وقد يتجاوز ظاهر الأمور. لكن، من يرجع إلى الخلف، ويتأمل مسيرة الرجل، منذ أيامه الأولى في حركة فتح، قد يصل، في نهاية المطاف، إلى خلاصات تقترب من الحقيقة أو تجليها. 
كان محمود عباس، طوال الوقت، بعيدا عن الأضواء داخل حركة فتح، على الرغم من اضطلاعه بأدوار قيادية، وكان هو من بادر بالتواصل بالأساس مع الحركة، خلال عمله في قطر للانضمام إلى صفوفها “قياديا”. 
ومنذ بدأت تحركات سرية، وغير معلنة للتواصل مع إسرائيل عربيا مطلع السبعينيات، لعب عباس دورا أساسيا، وكانت له محطات بارزة منذ العام 1974، في إعلان مبادئ السلام وحل الدولتين، وصولا إلى المفاوضات السرية التمهيدية لاتفاق أوسلو مطالع التسعينيات، وما بينهما. وكان مستغربا أنه ورث حقيبة الأراضي الفلسطينية من الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، والذي كان شخصية عسكرية بامتياز، في حين أن عباس على نقيضه تماما. 
وفيما كان عشرات الشباب الفلسطينيين يرتقون شهداء في سبيل الهدف المعلن، تحرير كامل التراب الفلسطيني، على الحدود وفي الداخل، كان عباس يدأب في ترسيخ مبدأ حل الدولتين، والتواصل سرا مع الإسرائيليين. 
سمي “مهندس أوسلو”، لأنه عمليا من لعب الدور المحوري في الوصول بحركة فتح إلى عتبات مؤتمر مدريد، ومن ثم قاد المفاوضات السرية مع إسرائيل، وصولا إلى اتفاق أوسلو، واتفاق غزة – أريحا، حتى الشكل الهلامي الذي يقوده اليوم من رام الله. وكان قد تولى منصب مسؤول العلاقات الدولية في منظمة التحرير الفلسطينية، إلى أن انتخب أمين سر لها، ليكون الرجل الثاني عمليا من بعد الراحل ياسر عرفات. 

وفي التحركات التي قادها عباس مع شريكه، في حينه، محمد دحلان ضد “السلطات الواسعة” للرئيس عرفات، ومطالبته بـ”مأسسة” العمل الفلسطيني، بدل هيمنة الرجل الواحد، ظهر بمظهر الرجل السياسي العصري، والذي يدعو إلى مطالب تبدو في العلن منطقية وطبيعية. ومنذ تولي موقع الرئيس عرفات، كانت أولى خطواته تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من محتواها، فقطع غالبية المعونات عن أنشطتها، وأقال من أقال من قياداتها في الخارج، وقلص من صلاحياتها باتجاه السلطة الفلسطينية، وأوقف الدعم عن آلاف من منتسبيها وحولهم إلى السلطة الفلسطينية، كما أن كثيرا من مؤسساتها لم يعد موجودا أو بقي شكليا المسمى الوظيفي لمسؤوليها. وبالتالي، تحولت مهامها الآن كشأن “خيال مآتة” تدب فيه الحياة متى تحرّكت الرياح. 
تشير كل هذه المحطات جليا إلى نوعية مختلفة من القيادات داخل الجسد القيادي آنئذ لمؤسسات الشعب الفلسطيني، لم تتردّد يوما في التعبير عن وقوفها ضد أي نوع من العمل المسلح ضد الاحتلال، بل كان في مقدمة من أقر بحق إسرائيل على جزء من أرض فلسطين بعد مضي أقل من أربع سنوات على حرب النكسة، واحتلال قطاع غزة والضفة الغربية والجزء الشرقي من القدس. الأمر الذي يقود إلى حقيقة أن كل تحركات محمود عباس لم تكن في إطار من العشوائية، أو مجرد حب للوصول إلى السلطة، بل كانت مدروسة وضمن رؤى بعيدة الأمد، ليس بالضرورة أنه من رسمها لنفسه، ولكنه كان جزءا أصيلا منها. 
ومع ظهور مصطلح “صفقة القرن”، والمرتبط بمستقبل المنطقة، والقضية الفلسطينية جزء منها، يبدو من السذاجة بمكان أن لا يكون لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، محمود عباس، دوره الطبيعي فيها. ومن يعلم بدهاليز السياسة يعلم جيدا أن ليس كل ما يعلم يقال، بل لا يقال إلا ما يجب، وفي الوقت المطلوب، باستخدام الإعلام أداة مؤثرة. لنصل إلى أن “صفقة القرن” ليست وليدة نظام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بل ترجع إلى ما بعد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر في 1978. وتم التمهيد لها عبر سياسة النفس الطويل بدءا من “اللاءات الثلاث” في 1967، وصولا إلى رفع علم إسرائيل قريبا في عواصم عربية عديدة.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة