مقالات

درع الشمال : حروب اسرائيل الجديدة

درع الشمال : حروب اسرائيل الجديدة

✍🏻 ناصر ناصر

تمثل العملية العسكرية و الهندسية التي أعلنتها اسرائيل صباح الثلاثاء 4-12 ، و أطلقت عليها اسم درع الشمال بهدف تدمير ما تزعم انه أنفاق هجومية تابعة للمقاومة اللبنانية و حزب الله على الحدود مع لبنان ، توجهات الحرب الجديدة و المفضلة لدى دولة الاحتلال في السنوات الاخيرة والتي أطلقت عليها مصطلح ” مبم ” ،( أي المعركة ما بين الحروب ) والتي تعني خوض معارك محدودة الاهداف و تتجنب الالتحام المباشر و تعتمد على الاستخبارات ، و تركز على عمليات سلاح الجو و الوحدات الخاصة بما يتلائم مع الوثيقة الاستراتيجية للجيش 2015 ، فلماذا “مبم ” و لماذا درع الشمال ؟
تشكل درع الشمال و عمليات مبم بشكل عام ردا أمنيا اسرائيليا على القيود و المشاكل الاستراتيجية العميقة التي تواجه اسرائيل و المتعلقة بغياب العمق الاستراتيجي ، و خصوصا في عصر الصواريخ التي يمتلكها عدو غير تقليدي على شكل منظمات المقاومة في فلسطين ، و لبنان إضافة الى القدرات البشرية الاسرائيلية المتراجعة من حيث العدد و قدرات التجنيد الواسع و لفترة طويلة ، ومن حيث المعنويات و القدرة على الصبر و الصمود في زمن القصف و الحروب ، كما ظهر ذلك جليا في احتجاجات و هروب سكان مستوطنات غلاف غزة من طائرات ورقية و بالونات حارقة أبدعها الفلسطينيون في غزة ، و هكذا تعتقد اسرائيل انها لن تدفع ثمنا باهظا من حروب ” مبم ” كدرع الشمال .
تظهرعملية درع الشمال و حروب اسرائيل الجديدة “مبم” تناقض القوة الذي تعيشه دولة الاحتلال ، فمن جهة لديها أقوى و أحدث الاسلحة الامريكية وهي مزودة بأحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية المتطورة وهي بهذا تمتلك أسلحة دمار فتاكة و قادرة على تدمير لبنان و ما حوله ، و لكنها و في نفس الوقت لا تمتلك القدرة الفعلية على تحقيق و إطلاق إمكانياتها الهائلة بسبب ” قيود القوة ” العامة و منها السياسة الدولية على سبيل المثال وقيود قوة اسرائيل الخاصة كالقيود المجتمعية و الجغرافية .
من غير المتوقع ان تؤدي عملية درع الشمال الى حرب واسعة مع حزب الله ما تعلق ذلك باسرائيل ، لان ذلك يتناقض مع مصالح اسرائيل الامنية والسياسية و الاقتصادية ، و التي تتلخص في تعطيل أكبر عدد ممكن من أنفاق الشمال في إطار حربها الاوسع التي تستهدف منع تعاظم قدرات حزب الله ، ومع ذلك قد يحدث احتكاك ما يربك الحسابات الاسرائيلية ، لذا تعتمد اسرائيل سلفا على المساندة الامريكية و عوامل الضبط و الكبح الدولي لاي تصعيد ، و المتمثلة في فرنسا و روسيا .
قد يشكل درع الشمال في الحقيقة درعا واقيا لرئيس الوزراء نتنياهو أيضا ” فسيد الامن ” في اسرائيل تعرض لنكسة سياسية داخلية تمثلت في ضعف حكومته بعد استقالة وزير دفاعه ليبرمان بسبب ما أصبح يعرف اسرائيليا و إقليميا بفشله أمام الشعب الفلسطيني في غزة ، و من جهة أخرى قد تثبت درع الشمال للمجتمع الاسرائيلي صحة أقوال و إدعاءات نتنياهو بوجود حالة أمنية طارئة تمنع حل الحكومة وعقد انتخابات مبكرة ، و تحتم ضرورة الالتفاف حول القائد نتنياهو ، كما انها قد تؤكد تبريراته المستمرة لتراجعه أمام غزة حيث الخطر أكبر في الشمال في حزب الله و ايران .
لقد أكدت البداية الصاخبة من الناحية الاعلامية لعملية درع الشمال حرص اسرائيل على توظيف العملية في حربها المستمرة على الذاكرة ، ذاكرة الاسرائيلي بتقويتها و جبر كسرها في غزة و خانيونس ، وذاكرة الفلسطيني و العربي بأن اسرائيل ما زالت تملك زمام المبادرة و المفاجئة ، و سوف تستمر في ذلك عبر نشرها لأنباء و بيانات و صور ما ستزعم انه أنفاق هجومية خطيرة وصلت اليها نتيجة قدراتها الاستخباراتية و التكنولوجية “الخارقة” ، وذلك في تكرار لتجربتها مع أنفاق غزة ، و التي لم تنجح في نهاية المطاف في وقف أو إضعاف روح و إمكانات المقاومة المتجذرة لدى الفلسطينيين و اللبنانيين ، و الشعوب العربية بشكل عام .

مقالات ذات صلة