ملفات

غزة.. ماذا نفعل بكل هذه الكهرباء؟!

غزة – مجال الاخبارية 

على مدار أسابيع طويلة، حاولت الشابة سوسو زياد الاتفاق على مكانٍ وزمانٍ مع صديقاتها وقريباتها في غزة للاحتفال بتخرجها، لكن ظروفًا مفاجئة متتالية حالت دون ذلك، ما أدخلها في دوامة من الإحباط. إلا أن شيئًا آخر دعاها لإقامة حفلة أخرى “تستحق السعادة من أجلها”. إنه “التيار الكهربائي الذي لا ينقطع تقريبًا” منذ نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

قد يبدو اندفاع سوسو (24 عامًا) لإقامة حفلها مدعاة للاستغراب لمن لا يعيشون في غزة، لكن تجربة أهالي الجيب الساحلي في تدفق التيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة يوميًا حاليًا، يُمثل حدثًا استثنائيًا لم يعهده السكان هنا منذ 12 سنةٍ تقريبًا، ليتحول إلى ساحةٍ واسعة للحوار الساخر.

تلك الشابة كانت واحدةً من مليوني فلسطيني استمتعوا بسماع هدير محركات الثلاجات والغسالات وخلاطات الجاتوه طوال اليوم، فيما يستيقظ بعضهم متفاجئًا من استمرار وصول التيار الكهربائي دون انقطاعٍ تقريبًا، بعد أن قدّمت الحكومة القطرية شاحنات من الوقود لصالح المحطة التي تعرضت للقصف الإسرائيلي إبان حكومة “أرئيل شارون”.

على الأرض، لم يكن تصريح شركة الكهرباء سيئة الصيت منذ 2006 مطابقًا لما يحدث، بعد أن قالت إنها ستضمن استمرار تدفق التيار لثماني ساعات، لكن الأمر كان أكثر من ضعف ذلك العدد، وهو ما يُسعد إدارة الشركة والمواطنين على حدٍ سواء.

بهاء راشد (31 عامًا) قال إنه عمد إلى فصل كابل ثلاجته بدعوى أنها “غير معتادة على هذا النعيم، وأنه قلق على صحتها بعد أن اعتادت على العمل لـ4 –8 ساعاتٍ يوميًا فقط طوال سنوات”.

أما نسرين محمد (44 عامًا) فقالت إنها تستعد لكي ملايات وسائد النوم بعد أن أنهت كي كافة ملابس زوجها وأبنائها الأربعة. “كانت المكواة تتوقف فجأة ولا زلت في القميص الثاني أو الثالث، أما اليوم فسأكوي كل شيء حتى ملاءة السرير”.

وتقول قريبتها أم علي (48 عامًا) إن سلّة غسيل الملابس فارغة منذ أسبوع؛ “فلا غسيل يتراكم على أرضية الحمام، كما تمكنت مع بناتي من تصفيف شعرنا على أنغام الستيريو. والآن نشعر بالملل، فلا شيء نفعله بعد أن أنجزنا كافة المهام.. اجلبي يا ابنتي برطمان لتخزين الكهرباء كما يُخزنون الزيتون”.

أما ابنتها تغريد (28 عامًا) فقالت إنها متفاجئة من تجمّد أرغفة الخبز وعلبة صلصة الطماطم في البرّاد بعد أن كانت مضطرة لرميها بعد استعمال جزءٍ منها خشية تعفنها جراء طول ساعات قطع الكهرباء سابقًا. “أعتقد أنني سأُصوّر هذاالتجمّد للذكرى”.

وتشتهر أعمدة الكهرباء الرئيسية في الأحياء بتواجد أطقم فنية تتبع شركة الكهرباء أسفلها ليل نهار، وهم إما يرفعون القاطع إيذانًا بوصل التيار، أو يُنزلونه لفصله، لكنّهم اختفوا تقريبًا ولم يعُد يُسمع صوت “السكينة” المُنفّر الذي اعتاد سكان الأحياء على سماعه نزولاً.

حول ذلك يقول خالد سمير (30 عامًا) ساخرًا: “أعتقد أن علينا الاتصال بأطقم الشركة لإنزال السكين، يبدو أنهم نسوا حيّنا مُضاءً والآن جاء دور الحي المُجاور”.

لكن كيف أمضى أهالي غزة حياتهم قبل هذا “الضيف الكريم”؟ كانت الشركة تنشر على صفحتها في “فيسبوك” نشرةً يومية بجدول ساعات الفصل والوصل، في الوقت الذي قال بعض الأهالي إن أطفالهم “أجادوا حفظ جدول الكهرباء أكثر من حفظ جدول الضرب المقرر في مدارسهم”.

يقول تقريرٌ لغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة العام الماضي “إن حجم ما أنفقه هؤلاء الأهالي على مشاريع الطاقة البديلة منذ بدء الأزمة عام 2006 وحتى 2016 بلغ أكثر من 1.5 مليار دولار”.

ويؤكد مجلس إدارة أحد العمارات السكنية في حي “تل الهوى” الذي يعُجّ بالعمارات غرب المدينة، إنه أنفق في العام 2016 أكثر من 26 ألف دولار لشراء وقودٍ لتشغيل مصعد العمارة ومضخة الماء، إذ يتقاسم السكان جمع مبالغ مالية لضمان استمرار معيشتهم.

ذلك التحسن “الغريب” في وصول الكهرباء إلى منازل المواطنين، دفع بعضهم إلى عرض معدات الطاقة البديلة (بطاريات، أجهزة تعلية الجهد الكهربي، كوابل نحاسية..) للبيع في مجموعات الأسواق الإلكترونية المحلية عبر صفحات “فيسبوك”، قائلين إنهم ليسوا بحاجةٍ إليها بعد اليوم.

لكن اقتراب موسم الشتاء لا يُمثل خبرًا سارَّا للكثيرين الذين يتوقعون أن هذا “الضيف” سيذهب نوره مع عشرات آلافٍ من أجهزة التدفئة المنزلية التي تستعد للتشغيل، باعتبار أنها تستنزف الكثر من الطاقة.

ويأمل الأهالي أن يُغلق ملف حالات الوفاة التي تسببت بها أزمة الكهرباء، فقد سجل مركز الميزان لحقوق الإنسان مصرع 32 شخصًا بينهم 25 طفلاً وسيدة وإصابة 36 آخرين جراء احتراقهم بالشموع أو انفجار المولدات الكهربائية الصغيرة، وذلك منذمطلع 2010 وحت ىنهاية أيلول/سبتمبر الماضي.

المصدر: أحمد الكباريتي – ألترا فلسطين

مقالات ذات صلة