مقالات

الانتخابات الإسرائيلية المبكرة وأثرها على التسوية بغزة

بقلم : المختص بالشأن الإسرائيلي، عبيدة مدوخ

بالتزامن مع الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سياسية طويلة مع قطاع غزة، تُطل علينا الانتخابات الإسرائيلية المبكرة والتي من المرجح أن تنعقد في شهر مارس المقبل، أي قبل ثمانية أشهر من موعدها الطبيعي الذي كان من المقرر أن يكون في  شهر نوفمبر من العام المقبل 2019، وذلك في ظل الخلافات العميقة بين أحزاب الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو بما في ذلك تهديد “الحريديم” المُمثلين في حزبي “شاس” و”يهوداة هتوراة”، بالانسحاب من الحكومة احتجاجا على قانوني التجنيد والتهويد.

يُذكر أن الائتلافات الحكومية الإسرائيلية دائماً ما يشوبها الخلافات والنزاعات وعدم الاستقرار منذ قيام دولة “إسرائيل” عام 1948 حتى يومنا هذا، حيث أن التاريخ لم يسجل أن ائتلافاً حكومياً في “إسرائيل” أكمل فترة ولاياته الكاملة التي حددها قانون الانتخابات الإسرائيلي بـ4 سنوات، إلا مرة واحدة في عهد حكومة “غولدا مائير”، وذلك نظراً لأن هذه الائتلافات غالباً ما تقوم على المصالح الحزبية والشخصية التي يتخللها المساومة والابتزازات لرئيس الحكومة من قبل باقي أحزاب الائتلاف.

ويبقى السؤال: ما هو أثر الانتخابات المبكرة على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في قرارته التي سيتخذها مع غزة خلال المرحلة المقبلة؟.

للإجابة على ذلك السؤال يجب الأخذ بعين الاعتبار عددا من العوامل والاعتبارات، من بينها:

– من مصلحة نتنياهو أن يخرج من الأزمة الحالية مع قطاع غزة بما في ذلك وقف أو تخفيف حدة فعاليات الحراك الشعبي – كالمظاهرات على الحدود والبالونات الحارقة والإرباك الليلي – بأقل الخسائر الممكنة التي قد تؤثر سلباً على مصيره في الانتخابات المقبلة.

– لا يمكن أن تسمح “إسرائيل” بتحقيق  تسوية سياسية طويلة المدى قد تتضمن بناء ممرٍ مائي لوصل قطاع غزة بالعالم الخارجي، دون إنهاء ملفي الجنود الأسرى لدى حماس في غزة، وعودة السلطة الفلسطينية لتصدر الحكم الشكلي والظاهري في قطاع غزة بدلا عن حماس، كما هو الحال مع “حزب الله” في لبنان.

– قضية فصل غزة عن الضفة وإقامة دولة مستقلة في غزة أمرٌ غير مقبول على الجميع، بما في ذلك الجهات الإقليمية كمصر والجهات الدولية كالولايات المتحدة الأمريكية والجهات المحلية كتنظيمي حماس وفتح وباقي الفصائل الفلسطينية، علاوة على أن “إسرائيل” ترفض أيضاً مثل هذه المقترحات.

– إن العقبات والموانع التي تحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية طويلة حالياً والتي من أهمها ملف الأسرى والمصالحة الفلسطينية، تجعل أمام “إسرائيل” خياران اثنان وهما: إما التسوية الجزئية أو المرحلية، أو الدخول في مواجهة عسكرية مع حماس لا تُحمد عقباها، ناهيك عن وجود شبه إجماع لدى قادة “إسرائيل” أن العمل العسكري لن يجدي نفعاً مع غزة.

في ظل هذه العوامل والاعتبارات، أعتقد أن أمام نتنياهو قرارات صعبة قد تضره بشكل كبير في انتخابات “الكنيست” المقبلة، سواء كان ذلك على صعيد التسوية أو المواجهة العسكرية.

فإذا ما اختار نتنياهو المُضي قُدماً في مساعي التسوية الطويلة فإنه سيضطر راغماً على إبرام صفقة تبادل أسرى مع حماس، وهذا قد يضره سياسياً بشكل كبير في نتائج الانتخابات المقبلة، وإذا ما اختار المواجهة العسكرية فإن ضررها سيكون أيضاً كبيراً على مصيره السياسي في الانتخابات المقبلة.

ولذلك باعتقادي أن نتنياهو قرر الذهاب إلى تسوية جزئية ومرحلية مع حماس لتسكين الألم الذي يعيشه مستوطنو غلاف غزة جراء فعاليات الحراك الشعبي التي كان لها الأثر الكبير في ممارسة الضغط الشعبي والجمهوري على القيادة الاسرائيلية، وذلك من خلال حل بعض الأزمات التي يعيشها قطاع غزة مثل أزمة رواتب الموظفين والمياه والكهرباء علاوة على توسيع مساحة الصيد إلى 20 ميلاً، وفتح المعابر الحدودية بشكل دائم، وتنفيذ سلسلة من المشاريع الإنسانية الضخمة التي تستهدف قطاع الخريجين والعمال على وجه الخصوص ومشاريع أخرى لرعاية جرحى مسيرات العودة.

إن السبب الذي دفع نتنياهو للذهاب في هذا المسار يرجع إلى كونه يُعتبر أقل الخيارات المتاحة ضرراً على مصيره السياسي في الانتخابات المقبلة، ولذلك اختار الحلّ المرحلي إلى حين تذليل العقبات والموانع التي تحول دون التوصل إلى تسوية طويلة مع غزة.

فيما يتعلق بالعقبة الأولى المتمثلة بملف الأسرى المعتقلين لدى حماس في قطاع غزة، فإن نتنياهو سيكون أقدر على اتخاذ قرارٍ بإبرام صفقة تبادل بعد فوزه الشبه حتمي بالانتخابات المقبلة، أما العقبة الثانية المتمثلة بعودة السلطة فإن “إسرائيل” تدرك جيداً بأن حجر العثرة في موضوع عودة السلطة لتصدر الحكم في غزة لا يكمن في السلطة نفسها، إنما بشخص رئيس السلطة محمود عباس، ولذلك “إسرائيل” تراهن حالياً على وفاة عباس نظراً لحالته الصحية المتردية أو اقتلاعه في حال أصرّ على مواقفه الانتقامية الشخصية من قطاع غزة، مع التنويه بأن “إسرائيل” تسعى لذلك ليس حباً بقطاع غزة بل لأن مصلحتها الأمنية فوق الجميع حتى وإن استدعاها الموقف للتحالف مع تنظيم “داعش”.

الملخص:

نحن الآن أمام تسوية مرحلية ستتضمن حلاً نسبياً للأزمات التي يعيشها قطاع غزة مقابل تخفيف حدة فعاليات الحراك الشعبي، إلى حين تذليل العقبات التي تحول دون التوصل إلى التسوية السياسية المرهونة بإبرام صفقة تبادل أسرى وعودة السلطة إلى غزة، كما سيكون من السهل على رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالتسوية الطويلة بعد فوزه في جولة الانتخابات المبكرة المقبلة.

مقالات ذات صلة