مقالات

لماذا استنفر نتنياهو لإنقاذ محمد بن سلمان؟

بقلم: الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي، صالح النعامي

يعد استنفار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العلني لمحاولة انقاذ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من تداعيات قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي عبر دعوته إلى ضرورة الحفاظ على استقرار نظام الحكم في الرياض، هو المستوى الثالث من مستويات التدخل الإسرائيلي الهادف إلى تحقيق هذا الهدف.

ففي البداية، عمدت تل أبيب إلى محاولة احتواء اهتمام النخبة السياسية الأمريكية بقضية خاشقجي من خلال الطلب من منظمات “اللوبي اليهودي” العاملة في الولايات المتحدة للضغط على أعضاء الكونغرس، سيما الجمهوريين لمراعاة المصالح الاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” المرتبطة باستقرار نظام الحكم في الرياض، والتي يمكن أن تتأثر بشكل كبير في حال تعرض هذا النظام لهزة كبيرة.

لكن عندما لم يفلح تحرك اللوبيات اليهودية الذي كشف عنه عيران ليرمان، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، في تحقيق النتيجة المرجوة، عمدت القيادة الإسرائيلية إلى الدبلوماسية الصامتة عبر تدخل نتنياهو المباشر لدى إدارة ترامب بهدف إقناعها بعدم التصعيد ضد بن سلمان، كما كشفت عن ذلك صحيفة “واشنطن بوست” قبل يومين.

وقد حاول نتنياهو من خلال تذكيره أمس في المؤتمر الصحافي الذي عقده في العاصمة البلغارية بودابست، بأنه يتوجب ألا تؤثر أية قضية على متطلبات مواجهة إيران وتطلعاتها النووية، حتى عندما يتعلق الأمر بجريمة مروعة، مثل حادثة اغتيال خاشقجي، لفت أنظار النخبة السياسية الأمريكية إلى ضرورة الاحتكام إلى سلم أولويات يراعي مصالح واشنطن وتل أبيب.

وعلى الرغم من أن تشابك والتقاء المصالح بين “إسرائيل” ونظام الحكم الذي يقوده بن سلمان في الرياض، كبيرة وجلية، إلا أن عامل الوقت، هو العامل الرئيس الذي دفع القيادة الإسرائيلية إلى التدخل بكثافة ومن خلال تنويع الأدوات، في محاولاتها إنقاذ بن سلمان.

فإسرائيل تخشى أن يفضي انشغال نظام الحكم السعودي في مواجهة تبعات قضية اغتيال خاشقجي إلى المس بقدرة الرياض على توفير بيئة تسهم في إنجاح رزمة العقوبات الكبيرة التي يفترض أن يعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد غد الإثنين، والتي تراهن تل أبيب على دورها في إخضاع طهران وإجبارها على الموافقة على إعادة النظر في الاتفاق النووي.

فإعلان بن سلمان خلال مقابلته الأخيرة مع موقع “بولمبيرغ”، وعشية تفجر قضية خاشقجي، بأنه سيعمد إلى استخراج النفط من الحقل المتنازع عليه مع الكويت من أجل ضمان عدم تأثر سوق الطاقة العالمي بتقليص تصدير النفط الإيراني، أثار ارتياحاً كبيراً في أوساط صناع القرار في تل أبيب.

لكن “إسرائيل” تعي الآن أن قدرة بن سلمان على الوفاء بهذا المتطلب لإنجاح العقوبات، محدود للغاية. في الوقت ذاته، فإن هناك في تل أبيب من يخشى من أن يلجأ بن سلمان إلى ربط تعاونه مع العقوبات بمستقبل الإجراءات الأمريكية ضد نظامه.

إلى جانب ذلك، فإن نخب الحكم في تل أبيب تنطلق من افتراض مفاده بأن تواصل اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا بتداعيات قضية خاشقجي سيساعد تحديدا الحكومات الغربية التي تعارض فرض القائمة الجديدة من العقوبات على إيران.

إلى جانب ذلك، وعلى المدى الأبعد، فإن “إسرائيل” قلقةٌ جداً من تداعيات قضية خاشقجي على الواقع الداخلي في السعودية.

فعلى الرغم من أن السيناريو الأفضل بالنسبة لإسرائيل يتمثل في نقل للسلطة بهدوء وسلاسة عبر تخلي بن سلمان عن الحكم لصالح شخصية أخرى من العائلة المالكة؛ إلا أن تل أبيب، في الواقع تتخوف من أحد سيناريوهين؛ أحدهما يتمثل في تعاظم الضغوط الدولية على بن سلمان مما قد يضطره إلى الانقلاب على سياساته المؤيدة للغرب و”إسرائيل”، مما يسهم في تعقيد البيئة الإقليمية بشكل كبير.

أما السيناريو الأكثر واقعية، والذي تخشاه تل أبيب بشكل خاص، فيتمثل في أن تفضي تداعيات قضية خاشقجي إلى المس باستقرار نظام الحكم في الرياض بشكل كبير وحتى انهياره، مما يحول السعودية إلى ساحة تهديد مباشر لإسرائيل.

فقد سبق لمحافل التقدير الاستراتيجي الرائدة في تل ابيب أن استشرفت التداعيات الكارثية على الأمن القومي الإسرائيلي التي يمكن أن يسفر عنها اهتزاز استقرار أو انهيار نظام الحكم السعودي، سيما بسبب وجود “بدائل متطرفة” للحكم وترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة، إلى جانب مساحة السعودية الهائلة نسبياً، التي تقلص فرص الحصول على معلومات استخبارية حول مصادر التهديد المحتملة.

من ناحية ثانية، فإن “إسرائيل” مستاءة من تواصل الانشغال بقضية خاشقجي لأنها أفضت إلى حدوث تحول على موازين القوى الإقليمية؛ حيث أسفرت هذه القضية بشكل واضح عن تعزيز مكانة تركيا وإيران مقابل تراجع مكانة نظام الحكم السعودي.

ومما زاد الأمور تعقيداً، أن قضية خاشقجي مهدت الطريق أمام حدوث تحسن كبير على مكانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خصمها اللدود، ومنحته الفرصة لتحسين العلاقة مع إدارة ترامب، مع العلم أن تل أبيب راهنت كثيراً على تراجع هذه العلاقات؛ وهذا ما دفع نخبا مرتبطة بدوائر الحكم في تل أبيب إلى مهاجمة تركيا واتهامها باستغلال قضية خاشقجي للمس بنظام بن سلمان ومصالح تل أبيب وواشنطن.

في الوقت ذاته، فإن “إسرائيل” تخشى أن يفضي أي مس بمكانة نظام الحكم السعودي إلى االعصف باستقرار نظام حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يعد أحد أهم ركائز الأمن القومي الإسرائيلي، كما يجاهر بذلك الكثير من المسؤولين في تل أبيب.

وتعي “إسرائيل” أن الدعم المادي والسياسي الذي وفرته السعودية أسهم في ضمان استقرار نظام السيسي، على الرغم من تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في بلاد النيل.

مقالات ذات صلة