ملفاتمنوعات مجال

“الكمالية”.. هل تستعيد توهّجها بعد أن سكنها المدمــنون والمجـرمون؟

غزة – مجال الاخبارية 

في البلدة القديمة بحي الزيتون وسط مدينة غزة، تقوم المدرسة الكمالية، بعيدًا عن أصوات الضجيج والمركبات والشوارع العامة، وقد بلغ عمرها 780 سنة تقريبًا. لكن هذه المدرسة العريقة تحوّلت خلال قرنٍ من الزمان إلى مجمعٍ لنفايات الحي؛ تملؤه حشائش شوكية وبقايا سجائر وحُقنٍ وأدوية زجاجات فارغة، ما يُشير بوضوح إلى أنها كانت ملاذًا للمـ ـدمنين و”الخارجين عن القانون”.

مؤخرًا، أعلن خبير الآثار الفلسطيني فضل العطل عن مبادرة شبابية لإعادة افتتاح هذه المدرسة “كمنبرٍ ثقافيٍ وحضاري”، إذ ستُضاف إليها مكتبة ثقافية وقاعات تدريسية، وزوايا أخرى ستتضمن بعض المقتنيات التراثية من زمن الأيوبيين والمملوكيين والعثمانيين، وكذلك الإنجليز، ومقتنيات أخرى احتضنت تاريخ الشعب الفلسطيني قبل النكبة عام 1948، إضافة لمرسم ومعهد لتعليم الموسيقى والحرف.

ويُتوقع أن تصل تكلفة تنظيف المشروع من قمامات قرنٍ من الزمان وإعادة ترميمه إلى 150 ألف دولار أمريكي، وقد بدأت وزارة السياحة والآثار في غزة بإجراءات تحويل أراضي المدرسة ومحيطها من ملكية خاصة إلى الملكية العامة، بحسب ما أوضح العطل.

علا بدوي، مديرة البحث والتطوير التربوي لدى مؤسسة القطان، وإحدى أعضاء مبادرة “إحياء الكمالية”، قالت إن المبادرة لاقت ترحيبًا من قبل عدة فئات شبابية مهتمة بشؤون التراث، ونالت صيتًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مبينة أنها بدأت من قبل 60 ناشطًا، قبل أن يساهم المتطوعون في تنظيف هذه المدرسة والتعاون معهم.

يعود بناء هذه المدرسة إلى فترة الحكم الأيوبي لمصر وبلاد الشام عام 1237ميلايا، وسميت بالكمالية نسبة للحاكم حينها الكامل بن العادل الأيوبي، وهو ابن شقيق الناصر صلاح الدين. أُقيمت المدرسة في غزة لتكون حلقة وصل بين طلاب العلم والتجار والفقراء والضيوف وكل ما هو متبادل بين بلاد الشام ومصر، وقد بنيت من الأحجار الجيرية القديمة التي تعطي ميزة الدفء شتاءً والبرودة صيفًا.

ووفق المؤرخ ناصر اليافاوي، فإن الهدف الأساسي من بناء هذه المدرسة هو “مواجهة الفكر الشيعي الناتج عن ما تبقى من معتقدات الدولة الفاطمية التي هزمتها الدولة الأيوبية بقيادة الناصر صلاح الدين، حيث كانتا على عداء شديد بينهما على أساس مذهبي”.

ويُبين اليافاوي أن الأيوبيين أرادوا من إنشاء المدرسة الكمالية؛ محاربة عادات ورثها الناس عن الدولة الفاطمية، ومنها “أربعاء أيوب”، وهو أن تقوم المرأة بالتبرك من مياه المعابد الدينية الواقعة في المدن الساحلية من فلسطين، أو أن تقوم بذبح شاة على أبواب المساجد الكبيرة، كالمسجد العمري الملاصق للمدرسة الكمالية، بهدف الإنجاب وردع السحر، وبذلك أصبحت “الكمالية” هي المدرسة الأولى في فلسطين.

بعد وفاة الملك العادل، تولى نجله الصالح قيادة الدولة الأيوبية، فاندلعت معركة “غزة الكبرى” عام 1244، حينما دخل المصريون غزة مجددًا – بعد انقطاعهم عنها لعامين – لتحريرها من الغزو الصليبي، وكانت هذه المدرسة مركزًا لتحصن القوات الصليبية بها، إذ تحولت لفترة من الوقت من مقر تعليمي لمقر حربي.

وبعد سيطرة الدولة المملوكية على فلسطين عام 1250 بقيادة الملكة المصرية شجر الدر، بقيت المدرسة في أوائل عهدهم مغلقة بفعل الحرب التي دارت بها بين الأيوبيين والصليبيين تارة، ثم بين الأيوبيين والمماليك، حتى عام 1258، عندما هاجم التتار بلاد الشام وطردوا منها المماليك، إذ حول التتار، المدرسة، آنذاك إلى مأوى لقواتهم ومكانًا لاستراحة المقاتلين.

وعندما تولى قُطز، زمام القيادة في الدولة المملوكية، وأعاد تحرير غزة من التتار عام 1260، أصبح القائد العسكري بيبرس واليًا عسكريًا على غزة، وقد تحولت المدرسة إلى مقرٍ للقيادة العسكرية للمماليك، واجتمع فيها قُطز بكبار المقاتلين عدة مرات، وفيها كان يتم التخطيط للعمليات القتالية في فلسطين، وفق اليافاوي.

لاحقًا، بعد انتهاء الحرب مع التتار واغتيال السلطان قُطز، تولى بيبرس القيادة من جديد، واختار المدرسة مقرًا لمُلكه لإدارة حرب جديدة مع الصليبيين في المدن الساحلية شمال فلسطين، وقد بقيت المدرسة على هذا الحال حتى وضعت الحرب أوزارها عام 1265.

بعد 25 عامًا، وتحديدًا في عام 1290، أعاد الوالي المملوكي على جنوب فلسطين سنجر بن عبد الله المؤيدي، افتتاح المدرسة، وطوّرها إلى مقرٍ ضيافيٍ للرحالة من التجار بين مصر وبلاد الشام، وأنشأ لهم بجانب المدرسة حمام “السمرة” القديم، لخدمة الضيوف وإكرامهم وراحتهم من رحلة السفر الطويلة، كما أنها كانت إيواءً للفقراء والمساكين. كما اتخذ الملك سنجر من المدرسة ديوانًا ملكيًا له.

إثر ذلك، كانت المدرسة شاهدة على حربٍ داميةٍ بين العثمانيين والممالك، وقد أسفر ذلك على تشقق بعض جدرانها، ثم عاد العثمانيون لترميم بعضٍ منها في عام 1520. وما تزال بعض الصخور التي شُيَّد منها المبنى مختلطة بين آثارٍ للأيوبيين والمماليك والعثمانيين.

ويبين اليافاوي أن العثمانيين اهتموا بهذه المدرسة من ناحية تعليمية، وكانت مختصة بتعاليم الدين، لكنها تحولت كذلك إلى مركزٍ سياسيٍ وعسكريٍ لفترات قصيرة من حكمهم، كما تحوّلت لتعليم اللغات في الزمن الذي حاولت فيه الدولة العثمانية تتريك اللغة في مستعمراتها المنتشرة في الوطن العربي.

وإبان الحكم العثماني، تعرضت مصر وبلاد الشام لحملة نابليون العسكرية، وقد عيّن الأخير، الجنرال كليبر قائدًا عسكريًا على حملاته في البلاد العربية، قبل أن يغتاله سليمان الحلبي، بعمليةٍ تم التخطيط لها داخل المدرسة الكمالية والمسجد العمري المجاور للمدرسة، وقد استغرق التخطيط لها عدة جلساتٍ على مدى شهور. ومازالت فرنسا تحتفظ بجمجمة الحلبي، وخنجره الذي قتل به كليبر، وكذلك الخازوق الذي أُعدم به، في متحف اللوفر بباريس.

أُغلِقَتْ المدرسة الكمالية في عام 1917 بسبب الحرب العالمية الأولى، وظلّت مغلقة حتى عام 1920، عندما عاد المُهاجر الفلسطيني فهمي بيك الحسيني من تركيا، وأعاد افتتاح المدرسة، ترميم المباني القريبة منها، وتعبيد الشوارع المحيطة بها، ومن هنا أتت تسمية شارع فهمي بيك المؤدي للمدرسة.

وأتاح فهمي بيك – من خلال المدرسة – تعليم النساء، “فكانت سابقة للدول العربية وبعض دول أوروبا في نشأة المرأة”، كما يقول اليافاوي، مبينًا أن المدرسة خُصّصت أيضًا للجانب الثوري في التعليم، ما دفع الإنجليز لإغلاق المدرسة مرة أخرى أوائل عام 1923، وقد بقيت مغلقة حتى يومنا هذا.

تجدر الإشارة إلى أن شخصيات عربية وفلسطينية شهيرة درست في المدرسة الكمالية، من أبرزها عبد الرحمن الكواكبي، وهو أحد رموز النهضة العربية ومؤسس للقومية العربية، وأديب أبو ضبة، أحد رموز ثورة يافا 1921، وسليم عبد الهادي، أحد أهم الثائرين ضد العثمانيين في أواخر عهدهم قبل أن يتم إعدامه. كما درس في “الكمالية”، الشاعر والعالم العربي ابن حجر العسقلاني، والذي سمي في عهده بشيخ الإسلام أو أمير المؤمنين، وكذلك الشاعر والمؤرخ الفلسطيني الكبير صلاح الدين الصفدي.

المصدر “الترا فلسطين”

مقالات ذات صلة