ملف المقاومةملفات

تقرير: 17 عاما على اغتيال الوزير الإسرائيلي “زئيفي”

في عملية نوعية

رام الله – مجال الاخبارية 

توافق اليوم الذكرى السابعة عشر لأبرز عملية اغتيال في تاريخ المقاومة الفلسطينية، عملية اغتيال الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي، والتي تمت في 17 أكتوبر عام 2001، والتي نفذها مجموعة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ردًا على اغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى.

العين بالعين

ظهر أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجديد، أحمد سعدات، عقب أيامٍ قليلة من اغتيال أمينها العامّ السابق، أبو علي مصطفى، في حفلٍ تأبينيّ لسابقه، وأعلن عن مبدأٍ جديد، واستحدث عنوانًا لم يكُن معروفًا في تاريخ الثورة الفلسطينيّة التي مضى عليها أكثر من خمسين عامًا حينها.

قال سعدات “لن نكون ندًا للأعداء ولن نستحق احترام الشهداء، ولن نحترم احترام شعبنا بشهدائه وقادته وشيوخه وأطفاله ونسائه، إذا لم يكن شعارنا.. العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس.. فعهدًا لنا يا رفيقنا أبو علي، عهدًا لك يا معلمنا، يا رمزنا يا عنوان عزتنا، أن لا يكون شعارنا أقلّ من الرأس بالرأس“.

التخطيط

كان حمدي قرعان الشخص الأنسب الذي وقع عليه الاختيار لتنفيذ عمليّة تاريخيّة تُحدث ضجةً كُبرى، وتسطّر عنوانًا في تاريخ المقاومة الفلسطينيّة، فحضر إليه مجدي ريماوي الذي طلب منه صورةً شخصيّة لتجهيز الهويّات وجوازات السفر المزوّرة، فيما طلب منه زيارة فندق “حياة ريجنسي” الذي يزوره وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي بشكلٍ مستمرّ، ويعيشه في إحدى غرفه، والتي كانت في لحظةٍ لاحقة مسرحًا لقتله بعدة رصاصات.

بعد تخطيطٍ وخطواتٍ عدة، كان من نصيب باسل الأسمر ومحمد الريماوي أن يشتركا مع قرعان في العمل البطوليّ الذي جاء لتلقين الاحتلال درسًا لاغتياله الأمين العام أبو علي مصطفى.

التقى أفراد خلية “اغتيال زئيفي” برجلٍ آخر غير مجدي الريماوي الذي وكّلهم رسميًا بتنفيذ العملية وخطّط معهم لها، عُرف حينها بـ “الرجل المجهول”، والذي التقى بهم مرةً واحدة قبل تنفيذ العملية، ليوضح لهم تاريخ المجرم زئيفي، وهو صاحب فكرة “الترانسفير”، وليوضح لهم تاريخه المشؤوم، إضافةً لتفاصيل عن العملية وعن وجود الهدف “زئيفي” في مكان تنفيذ العملية، ومخطط حياته داخل الفندق ومواعيد خروجه.

وكان زئيفي أحد أكبر المنادين بضرورة تطبيق فكرة “الترانسفير” في ذلك الوقت، وهي الفكرة التي تقوم على مخططات لترحيل الفلسطينيين من الأراضي التي يسيطر عليها الاحتلال بشكلٍ كامل، وهو يميني متطرّف.

التنفيذ

وصل أبطال العملية إلى فندق “حياة ريجنسي”، دخل القرعان والأسمر غرفتهما في الفندق التي حُجزت في وقتٍ سابق، بأسماءٍ وهميّة وجوازاتٍ مزوّرة، وتركوا مسدساتهم داخل السيارة التي تواجدت على باب الفندق.

 في الصباح تأكد كلاهما من وجود المجرم زئيفي في المكان وفقًا لما تم إعلامهم به مسبقًا، يستيقظ الوزير الإسرائيلي يتناول إفطاره في الفندق، ثم يعود لغرفته قبل أن يغادر المكان، وكان ذلك الوقت المحدد لتنفيذ المهمة البطولية.

في الخامسة والنصف صباحًا، تأكد القرعان من وجود المجرم الإسرائيلي في الفندق من خلال التأكد من وجود سيارته أمام المكان، ثم رآه يتناول إفطاره مع أشخاص آخرين في ساحة الفندق. صعد إلى سلم الطوارئ حاملًا مسدساتٍ أخذها من السيارة مع رفيقه الأسمر، فيما وصلت سيارة الريماوي على باب الفندق لينطلقوا معًا بعد تنفيذ المهمة.

وضع البطلان مسدساتهما على خصريهما وانطلاقا داخل الفندق إلى مكان غرفة “زئيفي”، واتجها من سلم الطوارئ، وعلقا ورقةً تبيّن أنّ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفذت عملية الاغتيال ردًا على اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى. بعد دقائق من الانتظار وصل “زئيفي” غرفته وكان بطنه قد امتلأ بآخر وجبةٍ أكلها، متجهًا إلى غرفة رقم 816، فقام البطل القرعان بإطلاق الرصاصات تجاهه، بعد أن أسمعه آخر كلماتٍ ناداه فيها “زئيفي.. هيه“.

علامة فارقة في تاريخ المقاومة

أحدثت العملية ضجةً كبيرة، وأعلت صوت المقاومة الفلسطينية في كلّ أنحاء العالم، فكاتم الصوت حين ينطلق من رصاص مقاومين يكون دويّه أعلى من صواريخ طائراتهم التي قصفت أبو علي مصطفى في مكتبه بمدينة رام الله، واعتبرت أنّ اغتياله سيكون موجعًا وسيُضعف الانتفاضة آنذاك.

وأثبتت الجبهة الشعبية في هذه العملية أن يدها ويد الثورة طويلة وتستطيع الوصول لكبار القتلة والجنرالات والوزراء الصهاينة، وأثبتت المقاومة أن البطولة دائمًا ممكنة في حال توفر الإرادة والكفاءة السياسية، وأن التواطؤ الداخلي مع التنسيق الأمني قد يضر أو يعطل في بعض الأحيان، لكن إرادة المقاومة الصلبة نافذة رغم كلّ شيء.

وأثبتت العملية أيضًا دناءة هذا العالم المعروفة مسبقًا، لكنّها أتت لتؤكده قطعًا، بدءًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتان انتقدتا العمل البطوليّ والذي جاء انتقامًا لدماء الشهداء الفلسطينيين وأميرهم أبو علي مصطفى، في حين أنّ كلا الدولتين لم تستنكرا اغتيال أبو علي والذي تم بواسطة مروحية “إسرائيلية” في عمارةٍ سكنيّة، حيث أحدثت انفجارًا ضخمًا وأودت بحياة الرجل وكادت تصيب آخرين من انفجارها المروّع بالمكان.

وفيما بعد تنفيذ العملية، أثبتت بشكلٍ أكبر خيانة السلطة وتواطؤها. السلطة التي جاءت بفعل اتفاق السلام الذليل مع الاحتلال “الإسرائيلي”، قبل أعوامٍ قليلة فقط من اغتيال “زئيفي”، وبدلًا من أن تتخذ من الانتفاضة سبيلًا لتصحيح مسارها الخاطئ، اتخذت منها دليلًا يثبت بشكلٍ قاطع تواطؤها وخيانتها، فقامت بملاحقة المقاومين الذين نفذوا عملية الاغتيال البطولية، وتعهّد رئيس السلطة آنذاك ياسر عرفات باعتقال كلّ من خطط للعملية ونفّذها، وقام فعلًا بذلك، حينما اعتقلت مخابراته الأمين العام للجبهة أحمد سعدات، وقائد كتائب أبو علي مصطفى، عاهد أبو غلمي، والمقاتلين الأربعة الذين نفذوا وخططوا للعملية البطولية.

ولم يكتفي بذلك، إنما قام بمحاكمتهم أمام أبناء شعبهم داخل مقرّ سلطته في رام الله، وأصدر بحقهم أحكامًا تُدينهم بقتل العدو المجرم “رحبعام زئيفي”. وفيما بعد، قام خليفته الذي تقلد منصب رئيس السلطة محمود عباس، بتسليم الأبطال الخمسة لجيش الاحتلال، تسليمًا بسيطًا دون أيّ مقاومة أو تعبير ولو كاذب عن الرفض والوقوف إلى جانب أبطال فلسطينيين لم يكتفوا بالنظر للمجازر بحق الانتفاضة وقادتها، إنما قرّروا أن يكون للانتفاضة ردّها، فكانوا أداتها التي تنفذ وتقتصّ.

مقالات ذات صلة