ملفات

المصالحة الفلسطينية .. طبخة حصى

 تقدير الموقف

تأتي حولة حوار بلقاءات جديدة في الشأن الفلسطيني الداخلي بعد قرب إكمال عام على توقيع آخر وثيقة مصالحة في القاهرة، وفي ظل أجواء عالمية سياسية تختلف تمامًا عما كانت عليه قبل سنوات فقد صادق ترامب على القدس عاصمة (إسرائيل) ونقل السفارة، وبدأت ملامح #صفقة_القرن لتصفية القضية الفلسطينية تتضح، وإدارة ترامب أمضت بسرعة إجراءات تصفية القضية الفلسطينية، والمنطقة تعيش في ظل أزمات خانقة في ظل الردة عن الربيع العربي، ليس فقط الوضع في سوريا وليس آخرها حديث النفط المتزايد وأطماع غاز البحر المتوسط.

في غزة ما زال يتعاظم الحصار الظالم بزيادة إجراءات عباس الانتقامية،ومؤخراً بإغلاق معبر كرم أبو سالم، وفي نفس الوقت يتواصل ويتعزز الصمود الأسطوري ومسيرات العودة، مما يقوي موقف غزة  المُثنة بالجراح ويؤكد شرعيتها، خاصة في ظل ائتلاف وطني يقف خلف مسيرات العودة، وتدل المؤشرات الكثيرة عبر تقارير ودراسات من هيئات دولية ذات قيمة عالية، على فشل سياسة العزل والحصار في كسر هامة غزة، التي لم تكسرها أيضًا حرب إجرامية طيلة (51) يومًا.

أما حكومة العدو الصهيوني المتطرفة، فترسل رسائل “غير مشجعة” بالمفهوم الغربي بالنسبة لعملية التسوية، وبل تصرح بشطب حل الدولتين والاستمرار في الاستيطان والتهويد، وتمارس عملية تطهير في القدس والخان الأحمر شاهد حي، وتدير الظهر لعملية التسوية بكاملها، مما يجعل رئاسة السلطة وفتح في حرج شديد وبعض أجزاء النظام العربي تمارس التطبيع جهاراً نهاراً، ورغم ذلك تشن رئاسة السلطة حربًا شعواء على غزة، وكأن محاربة غزة برنامج لا علاقة له بالوضع السياسي وصفقة القرن المدعوم من قبل الولايات المتحدة، ورغم ذلك تستمر واشنطن بصرف المزيد من الأموال لتدريب وإمداد المعدات والسيارات إلى القوات الأمنية في الضفة الغربية!!

على المستوى العربي “المتهاوي” وخاصة الذي كان يطبع مع حكومة العدو الصهيوني، لا تزال محاولات تصدير أزماته الداخلية وأزمة تراجع تأثيره باتجاه المقاومة وأطرافها في القلب من ذلك حماس وأخيرًا إلى إيران في محاولات لحرف المسار والبوصلة باتجاه عدو وهمي ومنح (إسرائيل) بطاقة عضوية في جامعة الدول العربية!!

انتهت جولات متعددة لحوار المصالحة الفلسطينية بدون نتائج، وما زال الأمل قائمًا أن تكون هناك نتائج، ذلك الحوار يحمل في داخله عوامل نجاح محدودة وعوامل الفشل بنسبة عالية. ولا يتعلق الأمر هنا بالأفراد، ولا بالفصائل، ولا بالنوايا الحسنة أو السيئة لهذا الطرف أو ذاك. فقضية المصالحة ذات أبعاد محلية وعربية ودولية، وبحسب القدرة على فهم تلك الأبعاد ستتحدد النتائج.

المصالحة ضرورية ويجب أن تنجح، لأنها مصلحة فلسطينية أولا وآخرًا، مصلحة من أجل مواجهة الاحتلال، ومن أجل منعه من مواصلة ابتلاع الأرض الفلسطينية، وتهويد القدس، وتدمير الأقصى، وتمرير مشروع تصفية القضية المعروف بـ#صفقة_القرن. وحتى تنجح المصالحة ببعدها المحلي هذا، لا بد لحركة حماس من إدراك قيمة فتح التاريخية، والتعامل معها كتيار رئيس داخل الشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت العمل على استغلال قبولها في الأوساط العربية والدولية، وتوظيفه لصالح الشعب الفلسطيني.

وبالمقابل فإن على حركة فتح إدراك قيمة حركة حماس، كتيار شعبي وتاريخ نضالي فاعل، والاعتراف بهذا التيار، والتعامل معه كأمر واقع لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه.

ليس لأن حركة حماس قوية فقط، بل لأن العمل المقاوم الفلسطيني يحتاج إلى تكريس القاعدة القائلة بضرورة استيعاب أية قوة شعبية تظهر أثناء مسيرة المقاومة، وباعتبار أن عملية الاستيعاب هذه ضرورة من ضرورات الوحدة الوطنية، والاستمرار في مشروع التحرير الذي هو أساس وجود منظمة التحرير.

وحتى ينجح أي حوار من الضروري توفر الرغبة الحقيقية الصادقة لدى جميع الأطراف المشاركة في الحوار والراعية في الوصول إلى نجاح الحوار، وعدم الارتهان للإملاءات الخارجية المؤثرة على الأطراف المشاركة في الحوار، والاعتراف بالآخر كشريك.

ولكي ينجح الحوار يجب أن يكون له إطار محدد، وخطوات عمل تفصيلية وضمان تنفيذ من الجهات الراعية، كي لا تضيع الجهود، وتحكم هذا الإطار خطوط عامة هي:

  • الاعتراف بشرعية المقاومة وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة مقاومته بالطريقة التي يختارها.

  • التأكيد على باطل الاحتلال وعدم الاعتراف به.

  • العدوان على غزة عدوان إجرامي وحشي، ويجب على إسرائيل تحمل المسؤوليات كاملة عن حصارها وجرائمها في غزة، في النواحي القضائية والجنائية، والإنسانية والاقتصادية.

  • كل من شارك في دعم الحصار على غزة يكون قد ارتكب الخيانة العظمى في أبشع صورها.

  • التوقف عن الحرب التي تشنها السلطة على غزة ،والتراجع عن الإجراءات الانتقامية.

  • الشروع فوراً في انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني.

 

أهداف حماس من الحوار:

حدد رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية ستة أهداف أساسية للحوار الذي تسعى إليه حركة حماس:

  • أن يشكل الحوار جسراً نحو التمسك بالثوابت والحقوق الفلسطينية.

  • ويحفظ لشعبنا كرامته وصموده وتضحياته.

  • ويحقق له مرجعية سياسية عليا عبر إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية جديدة.

  • ويحقق له حكومة فلسطينية وطنية غير مرتهنة للضغوط والشروط الخارجية.

  • ويعيد لهم بناء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية بعيدًا عن المحاصة أو التعاون الأمني مع الاحتلال.

  • ويحفظ للشعب الفلسطيني حقه في المقاومة.

ويدخل ضمن هذه الأهداف تخفيف المعاناة عن شعبنا الفلسطيني ورفع الحصار عن قطاع غزة.

وفي المدى البعيد، هناك هدف هو إعادة بناء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، واستثمار إمكانات كانت مغيبة عن خدمة مشروع التحرير الفلسطيني.

أهداف فتح من الحوار:

تروج فتح اشتراك أهدافها المعلنة مع أهداف حركة حماس بالنسبة للحوار، ولكن تتواتر التصريحات المعبرة عن الهدف المعلن الوحيد وهو خروج حماس من المشهد السياسي نهائيًا، عبر تسليم غزة (الطائرة المخطوفة) وأن وتكون جزء من مشروع السلطة في حل الدولتين الذي انتهى تحت وطأة ضربات ترامب ونتنياهو:

  • إقصاء حركة حماس نهائيًا من المشهد السياسي.

  • جر حركة حماس إلى المفاهيم الخاصة بحركة فتح في التعاطي مع القضية الفلسطينية، وترويج أن حماس دخلت من بوابة أوسلو، وتحت سقف أوسلو، هذا في حال فشل الهدف الأول.

  • إقناع الشعب الفلسطيني بأن حماس لم تجلب له إلا ضنك العيش بعد رغده، والحروب بعد السلم، وأن خيار حماس يجب عدم العودة إليه في أي حال من الأحوال، والعقوبات ضد غزة شاهد على ذلك.

وليس أمام الطرفان إلا خياران: الأول هو النجاح والعودة بحكومة وطنية تنطلق بسرعة نحو انتخابات شاملة –بصرف النظر عن شكلها وسقفها السياسي– والخيار الثاني هو بقاء الحال على ما هو عليه، لتبقى المصالحة طبخة حصى وشعار يبيع الوهم للشعب الفلسطيني.

من المستفيد من إهدار الوقت؟

عملت فتح من منطلقاتها على إطالة أمد معاناة الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة، لترسيخ قناعة أن اختيار حماس قد جلب لهم المتاعب وهو بالتالي خيار يجب ألا يتكرر.

كل هذا بهدف منع حماس من أي فرصة حقيقية لممارسة ما انتخبها الشعب الفلسطيني من أجله في ممارسة الحكم والإدارة، وإن كان هذا هدفا يشترك فيه أغلب الأنظمة العربية، وقوى الاستكبار العالمية.

الحوار الفلسطيني الداخلي أُريد منه عبر السلطة والأنظمة العربية تقديم كل أطواق النجاة لتعزيز شرعية عباس عبر أكثر من جولة في حوار كلاكيت مكرر كان من الممكن أن ينتهي من جولة واحدة، ربما وصولاً إلى هذه النتيجة، ومحاولة لشراء الوقت والوصول إلى مزيد من الأوضاع غير المريحة بالنسبة لحركة حماس في غزة حيث المعاناة والحصار والدمار، وفي الضفة حيث حرب الاجتثاث، وفي نفس الوقت هذا السلوك للأسف يمنح فرصة هدوء لإدارة ترامب، لتمرير مشروع تصفية القضية الفلسطينية.

إن أي راصد للأحداث يدرك أن فتح أجادت ما تقوم به وما قامت به من إضاعة الوقت، حتى الآن على الأقل، وتعاملت مع قطاع غزة، بمنطق (الجنة في الضفة، والنار في غزة)، وهو المبدأ الذي روج له من قبل توني بلير، إلا أن سلوك العدو الصهيوني الأمني الذي لم يرفع حاجز في الضفة الغربية، بل على العكس، مما أفشل هذه الصورة الوهمية.

وهناك من يؤكد أن السلطة ليست حريصة على وصول الحوارات إلى نتائج شراكة ووحدة وطنية وإنما إقصاء حماس أو إدامة اللقاءات والحوار لأجل استنزاف الوقت فقط، حيث أن السلطة تدرك أن الاتفاق الفلسطيني على قاعدة مصلحة وطنية فلسطينية ليس مرغوبًا من العدو الصهيوني ولا الإدارة الأميركية، ولا بعض الأنظمة العربية، في ظل تنامي الجهود بعقد صفقة ترامب لتمرير مشروع التصفية للقضية الفلسطينية ووجود غزة بهذا الشكل تحت سيطرة حماس يشكل عقبة أمام هذا المشروع.

رغم أن ترامب  ونتنياهو وفريقه اليميني ماضٍ في إجراءات تمرير مشروع التصفية وحكومة العدو الصهيوني قد جهرت بشطب حل الدولتين، ما زال عباس يطالب “إسرائيل” بتنفيذ تفاهماته، ويراوغ الطرف الأميركي ونتنياهو بإمكانية تحقيقها، فعلى ماذا يراهن عباس، وماذا بقي من سراب مشروع التسوية وحل الدولتين؟!

للأسف الحوار يستهدف تفريغ نتائج انتخابات 2006م وجولات صمود غزة ،ومنح صك البراءة لمن شاركوا بالعدوان والحصار على غزة، ومن الظاهر أن الوقت واستطالته يلعب في صالح فريق فتح الرسمي، والحوار يهدف إلى استنزاف الوقت وصولاً إلى إنهاك كثير لغزة، وفي المقابل التجهيز لأجسام (شرعية) بديلاً عن نتائج انتخابات 2006م، ومن ذلك المجلس الوطني تحت حراب الاحتلال الذي شكل تعميق للانفصال وخدمة لمشروع تصفية القضية.

المطلوب اليوم بسرعة أكثر من أي وقت مضى إنقاذ القضية الفلسطينية من خطر التصفية الترامبي، عبر تحقيق التحام فلسطيني جاد عبر مشروع وطني يلم الشتات، ويوحد الصف، ويعتمد استراتيجية وطنية ناظمة عنوانها حكومة وحدة ببرنامج سياسي عنوانه الانعتاق من الاحتلال، وإجراء انتخابات سريعة تعيد الاعتبار لمؤسسات الشعب الفلسطيني، وإلا فإن حوارات المصالحة ليست إلا طبخة حصى لشراء المزيد من الوقت وصولاً إلى هزيمة مشروع المقاومة لصالح مشروع تصفية القضية الفلسطينية.

” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (يوسف: 21)

مقالات ذات صلة